أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
293
العقد الفريد
عن الكمأة أماكنها ؛ وأصابتني سحابة بالقريتين . فقاءت الأرض بعد الريّ ، وامتلأت الأخاديد « 1 » ، وأفعمت الأودية ، وجئتك في مثل وجار « 2 » الضبع . ثم قال : ائذن . فدخل رجل من بني أسد ، فقال : هل وراءك من غيث ؟ قال : لا ، كثر واللّه الإعصار ، وأغبرت البلاد ، وأيقنّا أنه عام سنة « 3 » . قال : بئس المخبر أنت . قال : أخبرتك الذي كان . ثم قال : ائذن . فدخل رجل من أهل اليمامة ، قال : هل وراءك من غيث ؟ قال : نعم ، سمعت الروّاد يدعون إلى الماء ، وسمعت قائل يقول : هلم ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران ، وتشتكي فيها النساء ، وتنافش فيها المعزى . قال الشعبي : فلم يدر الحجاج ما قال ، فقال له : تبّا لك . إنما تحدّث أهل الشام فأفهمهم . قال : أصلح اللّه الأمير ، أخصب الناس ، فكثر التمر والسمن والزبد واللبن ، فلا توقد نار يختبز بها ؛ وأمّا تشكى النساء ، فإنّ المرأة تظل تربق « 4 » بهمها ، وتمخض لبنها ، فتبيت : ولها أنين من عضدها وأمّا تنافش « 5 » المعزى ، فإنها ترى من أنواع التّمر وأنواع الشجر ونور النبات ، ما يشبع بطونها ولا يشبع عيونها ، فتبيت وقد امتلأت أكراشها ، ولها من الكظة « 6 » جرّة ، فتبقى الجرّة حتى تستنزل الدرّة . ثم قال : ائذن . فدخل رجل من الموالي كان من أشدّ الناس في ذلك الزمان ، فقال له : هل وراءك من غيث ؟ قال : نعم ، ولكني لا أحسن أن أقول ما يقول هؤلاء . قال : فما تحسن ؟ قال : أصابتني سحابة بحلوان ، فلم أزل أطأ في آثارها حتى دخلت عليك . فقال : لئن كنت أقصرهم في المطر خطبة ، إنك لأطولهم بالسيف خطوة .
--> ( 1 ) الأخدود : الشق المستطيل في الأرض . ( 2 ) الوجار : حجر الضبع والأسد والذئب . ( 3 ) سنة : جدب . ( 4 ) تربق : تجعل رأسه في الربقة . ( 5 ) تنافش : تفرق . ( 6 ) الكظة : البطنة .